رسالة عكسية


“من يمتلك المعلومة يمتلك القوة”، جملة لطالما وقفت عليها مليا في عصر التطور التكنولوجي والمعرفة. لما يمكن أن تؤسس لنهضة الوطن والمواطن وزيادة فاعليته وطاقته الإنتاجية.

ففي أيام الطالب الجامعي لا يفاجأ أحدنا إن بقي زملاءه على مقاعد الدراسة في سنته الأولى لا يميزون بين المراسل وكاتب العمود أو عدم قدرتهم على إيجاد فكرة جديدة لعمل تقرير صحفي أو إعداد أسئلة قد يطلبها المدرس كمتطلب مساق.

كنت أجزم ولا زلت بأن السبب لا يكمن في ضعف الطالب أو المدرس فقط، بل يتعدى الأمر لقصور في بنية التعليم الأساسي والثانوي.

فلا تكاد تحصي من طلبة المدرسة التي فيها 800 طالب سوى 10 طلاب نشطين في برنامج الإذاعة المدرسية صباحا ولعدة سنوات. أو عدم وجود مجلة حائط في المدرسة أو صحيفة ورقية يقوم على إنتاجها من ألفها إلى يائها طلبة المدرسة.

الأمر الذي قد يضفي نوعية على تفكير الطلبة ومخرجات العملية التعليمية إذا ما استثمرت هذه الأدوات بشكل فاعل وكما ينص قانون الإذاعة المدرسية الذي وضعته وزارة التربية والتعليم وبقي حبيس أدراجها.

إن الإنتقال من مرحلة تلقي المعلومات إلى صناعتها متجاوزة بثها يتطلب أن يصنع “صانع المعلومة”طوال 12 عاما دراسيا. يمارس فيها الصحافة بشكل يومي من خلال الأسئلة والأجوبة والبحث والتقصي وخدمة مصالح المدرسة وإستثمار الإذاعة المدرسية وكل وسائل الإتصال الجماهيري الممكنة لنشر هذه المعلومات. وبطبيعة الحال يخلق نوعا مختلفا ينمو مع نمو الطالب خلال مرحلة الدراسة مولدا حسا إجتماعيا وتفكيرا ناقدا وخوفا على المصلحة العامة وما يتبع ذلك من تأثير متبادل يسهم في تكوين الفكر. فيؤدي بالضرورة إلى وصول الطالب في مرحلة ما إلى النظر للأمور من زوايا مختلفة وتنوع خبراته الحياتية بإحتكاكه بزملاءه ومعلميه وتقبل الرأي والرأي الآخر.

ولا يكون ذلك إلا من خلال خلق مناخ إبداعي وإعلاء قيمة حرية الرأي والتعبير من خلال الوسائل سالفة الذكر.

فيسوق الطالب أفكاره ومنتجه وينتقد قرار مدير المدرسة وسلوك زملاءه ومناهج التربية والتعليم ويستثمر الوسائل ذاتها كوسيلة تعليمية وينشأ ثقافة إعلامية يستطيع من خلالها فهم دور وسائل الإعلام في التنمية.

ليس من المطلوب أن يكون الطالب صحفيا، على العكس من هذا يراد له أن يصل إلى مرحلة من القوة يستطيع أن يميز في سن مبكرة بين الرأي والخبر والمراسل والكاتب ودور الصورة في خلق ثقافة بصرية. أن يعلم ما لوسائل الإعلام من أثر في حياته وعليها.

يوميا ما سيكون لدينا عدد كبير من متلقي المعلومات الذين يجهل معظمهم آلية التعامل مع المعلومة وآلية تفسيرها أو نقدها واستخدامها.

سيكون لدينا جيش كبير من الحافظين لدروسهم أصحابا لدرجات العالية التي تطرز شهاداتهم الذي قد يفتقرون لأدنى طرق التعامل مع المعلومات التي يتلقونها وكيفية إعادة بثها. والغير قادرين على صناعة معلومة في عصر تعد فيه الدول العظمى هي من تصنع المعلومة وليست من تستخرج البترول.

هذا الموضوع الذي يكتب لم يذهب أوانه بعد فبوسع وزارة التربية والتعليم وكافة وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني أن تؤسس لشراكات حقيقية فاعلة لتنفيذه، مجلة حائط المدرسة وصحيفة صوت الطلبة والإذاعة المدرسية والقانون الذي وضع في الأدراج بإمكاننا إعادة بث الروح فيها.

الأمر يتطلب إرادة صادقة ووعي بأهمية ذلك فقط والبدء بخطة عمل واضحة ووفق زمن محدد.

كنت ولا أزال أؤمن بقدرتنا على التغيير نحو الأفضل، فلا مجال هنا لاحتكار الأفكار. فليكن لكل مدرسة موقع إلكتروني ولتبث من خلاله رأي الطالب والمعلم والمدير على الموقع نفسه صوتا وصورة ونصا. وليشاركنا المجتمع ذلك.

إنه حلم ستأتي اللحظة التي يئول فيها إلى حقيقة. أن نرى صناعة للمعلومات بأيدينا نحن وبأيدي أبنائنا الطلبة، فالمدرسة لبنة المجتمع. فأقدم بين يديكم كل الدعم والمساندة والأفكار والتدريب المطلوب لعمل ثورة معلوماتية في مدارسنا، تؤثر بالمجتمع وتتأثر.

فلو أمتلكت القدرة المادية والكادر الآزم لأسست لموقع إلكتروني يديره طلبة المدارس من مختلف منابتهم، ليجدوا لهم مساحة في هذا الفضاء بعيدا عن كل إعلام الكبار الذي يقدم لهم النصح والإرشاد والوعظ فقط. ليكون رسالة الأطفال إلى المجتمع. رسالة عكسية.

Advertisements

سيتم عرض تعليقاتكم بعد قليل . نشكر تفاعلكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s