ثائر


كعادته محمد يمشي الهوينا واضعا في أذنيه سماعة الهاتف، لايكلم فتاة عابرة سرير .. إنما يستمع إلى مقطوعة سيما سرية “الحنين إلى الوطن” .. يظن أن بيته بعيد .. ويحنّ إليه .. أبعد من كل ما يتصوره العقل، نعم بيته الذي في اليادودة ليس هو بيت القصيد .. هذا سهل المنال .. إنه قريب يصله بمجرد مشية سريعة من جبل اللويبدة إلى إشارة المصدار في وسط البلد .. ليستقل حافلة ممتلئة بالكادحين إلى فوهتها حتى يصل إلى كلية حطين ثم يركب إلى اليادودة..

من قهوة باب الكلية إعتاد أن يبتاع قهوته ..لكنه بعد اليوم لن يبتاع القهوة .. فقدد أهدته منى عند زيارتها عمّان مدينة البشر الذين تحب، أهدته مطربانا من القهوة. منذ تلك اللحظة إتخذ قراره بألا يشرب القهوة إلاّ من مطربان منى … هكذا سمى الهدية المتواضعة.

يمشي مثقلا بالصور التي تغزو ذاكرته كما غزى الشيب رأسه .. يدندن مع أوتار البيانو العذبة .. صورة ونغم ينسيه وجع المدينة وأصوات السيارات والباعة .. ينسيه الصور.

عبر الشارع .. واسند ظهره إلى عمود الكهرباء ينتظر الحافلة .. والنغم يعلوا ويتسارع ويجن ويأن ويضحك هو كما المجانين .. ليس بإمكانه أن ينسى صورة ثائر .. الطفل ذو الأربعة أعوام على الطرف الآخر من الشارع حيث يقف .. يحاول ان ينساها أو يتناساها .. وما شأنه هو بطفل يحمل علبة “علكة” تمام الساعة العاشرة مساءا يركض بين السيارات حلال إحمرار إشارة المرور ليسألهم أن يتشروا “العلكة” !!

ما شأنه وهو الدمار الشامل بعينه .. كأنه هو من كان يجب على الأبله جورج بوش إحتلاله والبحث في مكوناته وخلاياه عن أسلحة الدمار الشامل .. ما شأنه وهو الذي لا يحمل معه إلا بضعة كتب وأقلام وأفكار هستيرية يريد أن يطرش بها حائط الظالمين.

وقف مترددا .. حتى قرأ في أعين الواقفين نفس النظرة .. يريدون أن يسبقوه إلى ثائر .. هيهات لهم وأنا الذي أرض يوميا خلف رغيف الخبز أن يصلوا إلى ثائر قبلي “محدثا نفسه” .. ومشى واثق الخطى والجميع يترقبه .. بخبث بائع العصير، وتركيز خياط الستائر .. مشهرا أسئلته التحقيقية بوجه الحياة .. بقبضة الفلاح الدافئة على تراب أرضه يشمه أمسك ربع دينار في جيبه ونادى على الطفل ..

* تعال بدي علكة .
ركض نحوه وأعطاه حبة، فباغته قائلا : شو أسمك ؟ …. ثائر .. كم عمرك ؟ 4 سنين ..
* ما بدك ترجعلي الباقي ؟
عطيتني ربع دينار .. توخد كل العلكة الي معي بدينار !!
فاجأه بدبلوماسيته، أين تعلم فن المفاوضة هذا المفعوص ؟
* لنغير الموضوع .. انا محمد .. بس ليش بعدك بالشارع مش نعسان ؟ ما بدك تنام ؟
مبلى بس هي بيتنا قريب كمان شوي بروّح
* جلس محمد القرفصاء .. أصبح الآن على مرمى بصر ثائر .. وتابع يسأله : ليش أنت وين ساكن ؟
بمخيم الوحدات، وأنت ؟
* أنا باليادودة.
هي هذاك الولد الي هناك ساكن بخريبة السوق بس دار سيده ساكنين باليادودة.

كان هذاك الولد برميل يجلس على الجهة الأخرى من الشارع ولم يتمكن محمد من رؤية ملامح وجهه لأنه يدير له ظهره. وبدت على وجهه ملامح الفرح .. فقد أمسك بطرف خيط .. هو الآن على المسار الصحيح نحو فك لغز ثائر ..

* ثائر .. كم معك مصاري ؟
معي دينار و65 قرش ..

لقد تأخر الوقت .. محمد منهك الآن .. فلوقع الأسئلة في نفسه وخز الأبر .. وما زال ثائر يماس أبشع أنواع التعذيب بحق هذه الروح .. دقيقة واحدة قد يصاب بها محمد بأزمة قلبية حادة ..

على الوحدات كلية .. ينادي سائق الحافلة ” طالع يا شب ” .. نعم طالع .

ركب محمد الحافلة بجانب “شباك” كما كان يحب منذ طفولته .. حين كان يتشاجر مع أخوته للجلوس بجانب “الشباك” .. وبدأت عيناه الغائرتان في جممته ترقبان حوارا يدور الآن وسط الجزيرة الوسطية من الشارع .. حوار يديره البرميل .. لا يهم ماذا يقول أو يسأل .. كل ما يهم محمد في هذه اللحظة أن يعرف إجابات ثائر ..

ماذا سيحل به عند العودة للبيت ؟ ولماذا هو هنا ؟ أليس لديه مدرسة ؟ أو لعبة ؟ ماذا سيحل به إذا شبّ برفقة ضوء أحمر ؟ أليس الأحمر رفيق سوء ؟ فكل خطوط اليوم حمراء !! هكذا عودونا .. حتى بات يظن أن خطوط العرض والطول حمراء ..

إنتهى ذلك الحوار بإخراج ثائر دينار و65 قرش من الخزنة .. وناولها للبرميل .. وتحركت الحافلة وقلب محمد ووجدانه ..

في اليوم التالي إقترب محمد من حلويات الكمال بالقرب من الإشارة .. وهو يدوس الأرض هوينا هوينا .. سلم على الإشارة الحمراء وأنتظر إخضرارها سامحة له بالعبور .. ليجد على الطرف الآخر ثائرا ..

* ثائر .. تعال بدي علكة .
أنت أجيت ؟؟؟ مش مبارح أشتريت مني ؟
* آه وكل يوم راح أشتري منك .. خد هي 6 قروش
6 قروش !!! ما بدي قروش
* مناح بتعطيهم للباص وهي فوقهم شلن
طيب خد هي علكة والــ 6 قروش بخبيهم عشان أمسكّهم من أمي بالبيت.
* طيب ماشي .. ديربالك من السيارات .. بدي أروح هي باصنا أجى.

……………………………………………………………

إذا حاب تكمل القصة إنزل الساعة 9.00 مسا على إشارة المصدار .. وشوف ثائر وشوف البرميل وشوف الناس كيف بشتموه أو بعطوه فراطة .. وشوف بس مش بعيونك .. شوف في بصيرتك .. وراح أضل ثائر حتى يعيش ثائر بكرامة.

Advertisements

سيتم عرض تعليقاتكم بعد قليل . نشكر تفاعلكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s